القواعد الخمس للتعامل مع الأفكار والمشاعر

بواسطة سعود العمر

“اسمحي لي أن أطرح عليكِ سؤالاً: لو دعى أحدهم الله أن يرزقه الصبر، هل تعتقدين أن الله سيعطيه الصبر؟ أم سيعطيه الفرصة ليكون صبورا؟ لو دعى أحدهم الله أن يصير شجاعا، هل تعتقدين أن الله سيهبه الشجاعة؟ أم سيعطيه الفرصة ليكون شجاعا؟ لو دعى أحدهم الله أن تكون عائلته أكثر تقاربا، هل تعتقدين أن الله سيرسل لهم مشاعر ضبابية دافئة؟ أم سيعطيهم الفرصة ليحبوا بعضهم البعض؟

من فيلم Evan Almighty

قبل أن نبدأ حديثنا أحتاج أن أنبهك لنقطة في غاية الأهمية: لو كنت تشعر بشعور نفسي حاد (سواء اكتئاب أو قلق أو ما شابه) فلا تتردد في استشارة مختص فورا، لا تعتبر هذه التدوينة بديلا للاستشارة. الخطأ وارد جدا فيما أذكر. لا تعتبر هذه التدوينة أكثر من دردشة مع صديق أثناء تناول كوبا من الشاي بالنعناع. في الصورة أدناه بيانات التواصل لتطبيق Famcare  للاستشارات النفسية. رغم أنه تجمعني صداقة مع مصمم التطبيق لكن هذا ليس إعلانا مدفوعا، أعجبتني فكرة التطبيق وأظن أنها ستفيد الكثير ممن يحتاجونه. 


في أحد الأيام فتحت تويتر ووجدت هذا السؤال في خانة التنبيهات: 

المغرّدة كانت تسأل: “كيف يمكن للشخص أن يتحكم بأفكاره ومشاعره؟ أنا أبحث عن إجابات حقيقية وعملية. أرسلوا إجاباتكم رجاء”

 هذا السؤال مهم وحساس، ولن نبالغ لو قلنا إنه قد يكون أهم سؤال يواجهه الفرد في حياته.  لنستعرض بعض الشخصيات الخيالية التي تجسّد حالات واقعية تتكرر كثيرا في المجتمع. 

ندى شابه في أول الثلاثين من عمرها تشعر بقلق دائم. تقلق على أطفالها، ووالديها، وزوجها، لدرجة بدت تشعر أن قلقها صار يسلبها متعة وجودهم حولها. 

فهد شاب يعيش حالة إحباط، فهو فنان، ولكنه يعمل في وظيفة روتينية. رغم أن راتب الوظيفة جيد لكنه يتمنى لو استطاع أن يكرّس بعض الوقت لفنه. 

رائد رجل أعمال ناجح، ولكن ضغوطات التجارة صارت تحرمه النوم والوقت مع عائلته وبدأت تتسبب في تدهور صحته. 

“ليس الحمل ما يثقل ظهرك، لكن طريقة حملك له.” 

سي إس لويس

المشاعر والأفكار السلبية كثيرا ما تكون حملا ثقيلا على الإنسان، وكثيرا ما يجد نفسه مضطرا أن يمضي حياته حاملها فوق ظهره يوما بعد يوم دون أن يعرف كيف يتعامل معها. أحيانا، يحدث أن يحاول مغالبتها بالإدمان على شيء ما: إدمان الكحول أو المخدرات، إدمان الأكل، إدمان الشراء، أو إدمان الشبكات الاجتماعية، ألخ. 

الحياة البناءة: القواعد الخمس للتعامل مع الأفكار والمشاعر

فعلاً، كيف يمكن للشخص أن يتحكم بأفكاره ومشاعره؟ في هذه التدوينة سوف أقدم طريقة اسمها ( الحياة البناءة Constructive Living ) للتعامل مع الأفكار والمشاعر بطريقة تساعدك على تشكيل حياة مفعمة بالإنجاز والثراء النفسي. مصدري الأول هو الكتاب الرائع الذي يحمل نفس اسم الطريقة والذي أتمنى أن يترجم للعربية. 

تقدم طريقة ( الحياة البناءة ) خمسة مبادئ للتعامل مع الأفكار والمشاعر من أجل حياة هادفة. طريقة ( الحياة البناءة ) ليست فقط طريقة علاجية لمن يشتكي من مشاعر سلبية أو صعوبات نفسية بل هي بئر من الحكمة لفهم الحياة وأنفسنا بشكل عميق. الطريقة مبنية على طريقة علاجية يابانية قديمة اسمها ( طريقة موريتا Morita  Therapy ).  قبل حوالي ثمانين عامًا، قام طبيب نفسي ياباني يُدعى ( شوما موريتا ) بتجميع بعض الأفكار لمساعدة نفسه ومساعدة مرضاه لإطلاق الإمكانيات الكامنة في داخلهم. أساليبه لا تزال تمارس في اليابان إلى اليوم. المبادئ تنطبق عليك وعلى نفسي كما كانت تنطبق على اليابانيين في أيام موريتا واليابانيين اليوم. 

 شوما موريتا

التجربة

قبل أن نتحدث عن مبادئ طريقة ( الحياة البناءة ) أحتاجك أن تنفذ تجربة صغيرة. من المهم جدا أن تنفذ التجربة حتى تتأكد بنفسك من صحة مقترحات الطريقة. 

خطوات التجربة كالتالي:

١ – أجلس في مكان هادئ. 

٢- ضع أمامك شيئا ما. مثلا، مزهرية، لوحة، قلم، محفظة، أي شيء. 

٣- الان مطلوب منك أن تركز بنظرك على هذا الشيء لمدة ثلاث دقائق. حاول ألا تفكر بأي شيء أخر.  لو تشتت تفكيرك بفكرة أخرى أعد انتباهك وتركيزك على الشيء الذي اخترته.

٤ – استخدم منبه لحساب الوقت. 

أبدء الأن، رجاء لا تواصل القراءة قبل إتمام التجربة. 

القاعدة الأولى

“إن الحصان المربوط في عمود بواسطة حبل سيحاول تحرير نفسه عدة مرات ليصبح أكثر ارتباطا بالعمود وأقل قدرة على الحركة. الأمر نفسه ينطبق على الأشخاص الذين يعانون من هوس التفكير والذين يصبحون أكثر حبسًا في معاناتهم عندما يحاولون الهروب من مخاوفهم وعدم ارتياحهم.”

المعالج النفسي الياباني شوما موريتا

هل تمكنت من التركيز على الشيء لمدة خمس دقائق؟ في الغالب خطرت على بالك عدة أفكار. ربما فكرت في الفائدة من التمرين، أو وجبتك التالية، أو كم بقي من الوقت. لا بأس في ذلك، هذا شيء طبيعي. لكن هل لاحظت رغم أن أفكارك كانت تأتي وتذهب أن عيناك استمرت تنظر للشيء طوال الوقت؟ بمعنى أخر، هل لاحظت أن قدرتك على التحكم بعينيك كانت أفضل من قدرتك على التحكم بأفكارك؟ قد تبدو هذه الملاحظة بديهية للوهلة الأولى، لكنها عميقة جدا وسوف نبني عليها كل المقترحات اللاحقة. الملاحظة تعني أنك تستطيع أن تتحكم بسلوكك أكثر مما تستطيع أن تتحكم بأفكارك، وبدرجة أقل مشاعرك. 

القاعدة الأولى: لا يمكن للإنسان أن يتحكم بأفكاره ومشاعره

لنتفكر قليلا في هذه القاعدة. إذا كان لا يمكنك أن تتحكم بمشاعرك، هل يمكن أن يلومك أحد إذا شعرت بالقلق أو الإحباط أو الحزن الشديد؟ الإجابة باختصار: لا. أنت غير مسؤول تماما عن مشاعرك وأفكارك. أفكارك ومشاعرك تأتي وتذهب من دون سلطة منك، وقد اختبرت ذلك بنفسك في التجربة التي قمنا بها. 

لنعد قليلا لبعض الشخصيات الخيالية التي قدمناها في البداية. ندى تشعر بالقلق، لكن في الحقيقة مشكلة ندى ليست الشعور بالقلق، مشكلتها أنها تشعر بضغط نفسي إضافي لأنها تشعر بالقلق. الشعور بالقلق سبب لها مشاعر سلبية أخرى لأنها تعتقد أنها مسؤولة عن شعورها بالقلق ومن المفترض ألا تشعر به. الفنان فهد محبط، ورغم أن ظروفه عمله لا تتغير كثيرا لكن إحباطه يتزايد. بمعنى أخر، إحباطه يحبطه. بدلا من أن يكون عند فهد إحباط واحد صار عنده إحباطين: إحباطه من عمله، وإحباطه من إحباطه. 

في حالتي فهد وندى من المهم أن يدركوا أنهم غير مسؤولين عن مشاعرهم. هذا لن يحل المشكلة لكنه سيمنعها من التفاقم. بمجرد أن يقتنع الإنسان أنه لا يمكنه التحكم بأفكاره ومشاعره فإنه يحيطها بسياج يمنعها من التضخم. 

القاعدة الثانية

القاعدة الثانية: يجب أن تتقبّل مشاعرك

عندما تدرك أن مشاعرك ليست في تحكمك فإن تقبّلها يصبح سهلا عليك. لكن ماذا يعني ( التقبّل ) بالضبط؟ هل هو الاستسلام؟ هل هو الخضوع؟ هل هو شعور سلبي؟ لا ليس أي من ذلك. ( التقبّل ) يعني ( إدراك حقيقة الموقف ). لنوضح الفكرة بقصة قصيرة. 

قبل عدة سنوات كنت في زيارة لأحد أقاربي في المستشفى وأخبرني عن حادثة مازالت عالقة في ذهني. كان منوما في غرفة فيها سريرين بينهما ستار، وفي السرير الأخر رجل كبير السن. في أحد الأيام دخل مجموعة من الأطباء الغرفة ووقفوا أمام سرير الرجل المسن وأغلقوا الستارة الفاصلة. بدأ أحد الأطباء يشرح حالته الصحية الصعبة والرجل المسن يستمع دون تعليق وقريبي يستمع. توقف الطبيب قليلا، ثم أكمل بصعوبة موضحا أنهم مضطرين أن يبتروا ذراعه. لم يسمع قريبي أي ردة فعل للرجل المسن. بعد بضع دقائق خرج الأطباء، وبقيت الستارة مغلقة بينهما. يقول قريبي أنه انتظر قليلا، ثم نهض وتوجّه للرجل المسن لمواساته. “والله قمت وما أدري وش أقول له”، أخبرني قريبي. فعلا، كيف تواسي شخصا أخبره الطبيب للتو أن ذراعه ستبتر؟ سحب قريبي الستار وتفاجأ بأن وجه جاره المسن بدى بشوشا كما هي عادته. حاول البدء في الحديث لكن جاره المسن قاطعه مباشرة رافعا يده بينهما، قائلا: “هذي اليد ما قصرت، خدمتني سبعين سنه.” نظر له قريبي بشيء من عدم التصديق وقال له: “ماشاءالله، كنت بقولك نجيب شيخ يقرأ عليك، لكن انت الي تعال تكفى أقرأ علينا”. 

الرجل المسن تقبّل خبر قطع ذراعه لأنه أدرك حقيقة الموقف. أدرك أن قطع ذراعه أمر لا مفر منه وأن أي حالة سخط أو غضب لن تغير من الأمر شيئا. تقبله للموقف لا يعني أنه يعجبه، أو يتمناه، أو أنه فرح به، لكنه يعني أنه فهم أن الأمر حتمي وأن رفضه ومقاومته له لن تتسبب إلا بمزيد من المعاناة، وأنه لا يوجد أي قدر من المعاناة بإمكانه أن يغير ما هو حتمي الحدوث. إذا كنت تريد أن تعاني فلك ما شئت، لكن ذلك لن يغير من الأمر شيئا.

استرجع شيء حدث وسبب لك حالة من ( عدم الرضا ). قد يكون شيء سبّب لك قلق مثل انتظار نتيجة تحليل طبي، أو سخط مثل فاتورة مبالغ فيها أو زحمة طريق، أو حنق مثل رسالة أو اتصال لم يجب الطرف الأخر عليها. الأن، حاول أن تدرك حقيقة الموقف: ما لفائدة التي جنيتها من شعورك بالغضب أو السخط؟ هل غيّر في الموقف أي شيء؟ النتيجة هي هي. كل ما في الأمر أنك سببت لنفسك ألماً داخلياً دون أي مبرر. عندما تدرك حقيقة الموقف ستتقبله، وعندما تتقبله لن يتضخم ويسيطر عليك.

“إن التشبث بالغضب يشبه الإمساك بجمرة متوهجة بنية الالقاء بها على شخص آخر، لكن انت من يصاب بأضرارها”

بوذا

القاعدة الثالثة

القاعدة الثالثة: لكل شعور، مهما كان مؤلما، فائدته

هل القلق والغضب والإحباط والحزن مشاعر سلبية يجب ألا نشعر بها؟ لا، هذه المشاعر مفيدة. القلق أو الغضب يعطي طاقة نفسية تساعد في البدء بردة فعل المناسبة، الألم يعيدنا للواقع ويجعلنا أكثر قدرة على التعاطف مع آلام الأخرين، الشعور بالذنب يدفعك لإعادة التفكير بتصرفاتك كي لا تكرر أخطائك. يقول ( نيتشه ): “إذا كنت ترغب في لذة النمو، فاستعد لبعض الألم. أما إذا كنت لا تريد أن تتألم فاذهب وانكمش وكن جزءًا من القطيع.” كما عبّر بطريقة أكثر شاعرية مرة أخرى عن نفس الفكرة قائلا، “يجب أن تتملكك الفوضى الداخلية قبل أن تتمكن من ولادة نجمة متلألئة”.

ندى كانت تشعر بقلق شديد على أفراد عائلتها. شعورها بالقلق صار يتضخم مع مرور الوقت. لكن داخل أعماق هذا الشعور هناك بذرة للتغيير. قلقها يحاول أن يوصل لها رسالة معينة. ربما يجب أن تهتم أكثر بعائلتها، ربما هناك خلافات عائلية يجب أن تعالج، ربما هناك ضعف في التواصل والتعبير عن المشاعر بينهم، وهذا القلق يحاول أن ينبهها لما يجب أن تفعله. لو كنتَ سوف تقدم عرض مهم لجمع كبير، أو كان لديك اختبار أو مقابلة عمل، وشعرت بالقلق فقلقك ما هو إلا تذكير نفسي للاستعداد بشكل أفضل. إن إدراك هذه الفوائد المحتملة يقودنا إلى تقدير كل المشاعر. بدلاً من محاولة التخلص منها يجب أن نحاول أن نصغي لها. 

“يجب أن تتملكك الفوضى الداخلية قبل أن تتمكن من ولادة نجمة متلألئة”

نيتشه

القاعدة الرابعة

القاعدة الرابعة: تتلاشى المشاعر بمرور الوقت، ما لم يتم إعادة تحفيزها

بمرور الوقت، فإن أسوأ حزن أو ألم أو صدمة أو خوف سيفقد تأثيره ويصبح مجرد ذكرى. الولادة، حفر سن عند طبيب الأسنان، فقدان أحد الأحباء، أو فورة الغضب أثناء جدال – كلها سوف تتلاشى ما لم يحدث شيء يثيرها مرة أخرى. وهنا يكمن بصيص الأمل للبائسين: لن تستمر حدة المشاعر إلى الأبد. سوف تخبو.

لا شيء يدوم على حاله، سعادة اليوم قد تكون أول خطوة في معاناة الغد، ومعاناة الغد قد تؤدي إلى سعادة بعد الغد. في التراث الصيني هناك قصة قصيرة توضح هذه الفكرة. 

ذات مرة كان هناك مزارع هرب حصانه. جاء جميع جيرانه لمواساته ذلك المساء. قالوا له: “آسفين جدًا لسماع أن حصانك قد هرب. هذا سيء للغاية “. فقال: “ربما”. في اليوم التالي، عاد الحصان حاملاً معه سبعة خيول برية ، وجاء الجميع في المساء وقالوا ، “أوه ، يا لسعادة حظك! يا له من تحول كبير للأحداث. لديك الآن ثمانية خيول “. فقال: “ربما”. في اليوم التالي حاول ابنه ركوب أحد هذه الخيول، فسقط وكسر ساقه. وقالوا جميعًا، “يا عزيزي ، هذا سيء للغاية!” فقال: “ربما”. في اليوم التالي جاء ضباط التجنيد لتجنيد الناس في الجيش، ورفضوا ابنه لكسر في ساقه. وجاء كل الناس وقالوا، “أليس هذا رائعًا!” فقال:”ربما“. 

يعلق الفيلسوف ( ألن واتس ) على هذه القصة قائلا: إن الطبيعة برمتها هي عملية متكاملة ذات تعقيد هائل ومن المستحيل حقًا معرفة ما إذا كان الشيء الذي يحدث فيها جيدًا أم سيئًا. لأنك لا تعرف أبدًا ما ستكون عواقب المحنة. أو أنك لا تعرف أبدًا ما ستكون عواقب الحظ السعيد. يقول ( إيكارت تولي )، “هل تدرك حقا ما هو سلبي أو إيجابي؟ هل بإمكانك أن ترى الصورة كاملة حقا؟ … عندما يحدث لك أي شيء سلبي، هناك درس عميق متخف في داخله، على الرغم من عدم تمكنك من رؤيته في حينه. حتى المرض القصير أو حادث قد يريك ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي في حياتك، ما يهم حقا وما لا يهم”. 

القاعدة الخامسة

القاعدة الخامسة: بالإمكان التأثير على المشاعر بشكل غير مباشر باستخدام السلوك

هذه القاعدة هي سر التعامل مع المشاعر السلبية والمزاج الحادة والأفكار الداكنة. يمكنك استخدام سلوكك لتوليد المشاعر المرغوبة وتقليل المشاعر غير المرغوبة. في العادة، نحن نشعر بشعور معين (سعادة، حزن، غضب) وبعد هذا الشعور نجد أنفسنا في حالة استعداد لسلوك معين. عندما نشعر بالسعادة نبدأ في العمل، عندما نشعر بالحزن ننطوي على أنفسنا، عندما نشعر بالغضب ندخل في مشاجرة. الخطوة الأولى هي الشعور والخطوة الثانية التي تتبعها هي السلوك. 

القاعدة الخامسة تنص أنك يجب أن تعكس هاتين الخطوتين. ابدأ بالسلوك وستفاجأ أن الشعور يتبعه. مثلا، عندما تستيقظ الصباح وأنت تشعر بالكسل لا تحاول أن تغيّر شعورك. لا تحاول أن تجبر نفسك على الشعور بالحماس. كل المطلوب منك هو أن تتجه لدولاب الملابس وترتدي الزي والحذاء الرياضي وستفاجئ بأن الرغبة في التمرين ستبدأ في الدب في نفسك. 

أحيانا تكون أحداث الصباح بالنسبة لي حافلة لدرجة أني بعد الظهر أشعر أن ذهني تبعثر وأفكاري متناثرة ولا أستطيع التركيز على أي مهمة تتطلب مجهود ذهني عالي. في هذه الحالة أحرص ألا أركّز انتباهي على الفوضى في ذهني التي لا أستطيع أن أغيّر فيها شيء، وأحاول عوضا أن أوجّه كل تركيزي على جسدي. أبدأ أتحرك وأتحدث بهدوء، بل ببطء، وتدريجيا أشعر ان ذهني يبدأ يتبع جسدي ويهدئ بدوره. السلوك الهادئ أوجد حالة الشعور الهادئة. 

مثال اخر مختلف، مرة دخلت في نقاش مع سيدة ترغب بإنقاص وزنها. لم يجد معها أي حل قدمته لها. مشكلتها الحقيقية لم تكن ان الاقتراحات غير فعالة، المشكلة الحقيقية التي كانت تعيقها هي أن تركيزها كان منصب على مشاعرها السيئة بسبب زيادة وزنها. ما حدث كان أنها قررت أن لن تبدأ الحمية لأنها تشعر بالإحباط من وزنها وترغب بالشعور بالدافعية والحماس للبدء. الحل يبدأ من إعادة توجيه التركيز من المشاعر للسلوك. إذا التزمت بالحمية، وبدأت تحرز تقدم، سوف تتغير هذه المشاعر السلبية المرتبطة بزيادة الوزن إلى حماس ودافعية. الحماس لا يؤدي إلي الالتزام بالحمية، ولكن الالتزام بالحمية يؤدي للحماس لمواصلة الحمية. 

يقول ( ديفيد رونالد ) أن عدد كبير من حالات الاكتئاب سلوكية أكثر منها ذهنية. بمعنى أن سلوك المرضى اليومي يخلق حالة الاكتئاب ولعلاجه يجب تغيير سلوكهم وليس أفكارهم. مثلا، يمكن أن يحدث الاكتئاب من خلال الجلوس الطويل على الكرسي، بأكتاف منحنية، ورأس يتدلى للأسفل، ثم ترديد جمل مثل التالية مرارًا وتكرارًا: “لا يوجد شيء يمكن لأي شخص فعله. لا أحد يمكن أن يساعدني. أنا حالة ميؤوس منها. أنا عاجز. أستسلم”. باختصار، تصرف كمكتئب وسوف تجد أن شعور الاكتئاب يتولد من تلقاء نفسه.  

أي شخص يجلس على كرسي للعمل لفترة طويلة سيلاحظ تأثير طول الجلوس على مزاجه بشكل سلبي. بينما المشي السريع والتنس والركض تحسن كثيرا من الحالة المزاجية. الموسيقى المبهجة، الألوان الزاهية، التفاعل مع الأصدقاء، المناظر الطبيعية، بل وحتى الملابس الجديدة تساهم في إحداث تغيير في الحالة النفسية. كل هذه أمثلة على مشاعر تتولد من السلوك. بمجرد أن تبدأ النشاط ستلاحظ تحسن نفسي، لكن لا تنتظر التحسن نفسي كي تبدأ النشاط. 

فن الحياة

من المرجح أنك سوف تجرب القواعد الخمسة بجدية بعد أن تكتشف أن كل الافكار والمقترحات الأخرى غير مجدية ولم تنجح معك. إذا قمت بتطبيق هذه الأفكار في حياتك ستجد أنها فعالة. التركيز على السلوك هو أهم سمة من سمات طريقة ( الحياة البناءة ). الهدف النهائي للحياة البناءة هو مساعدتك على تنفيذ كل شيء بشكل حسن وبتركيز كامل. كلما طورت مهارتك في القيام بكل شيء بشكل حسن وبتركيز كامل كلما زاد رضاك ​​وثقتك في حياتك.

يتصارع الناس مع أنفسهم بطريقة مرهقة وغير منتجة بسبب عدم إدراكهم للمبادئ الخمسة للمشاعر. عندما تسيطر مشاعرك على سلوكك فذلك سوف يؤدي إلى تدهور وظيفي، علاقات متهتكة، وضعف احترام الذات، وتردي الحالة الصحية. ولكن عندما يسيطر سلوكك على مشاعرك ستزيد فرصتك في خلق ذات يمكنك أن تفخر بها. 

نحن مسؤولون عما نفعله بغض النظر عما نشعر به في حينها. كم مرة سمعت أشخاص يستخدمون مشاعرهم كذريعة لتصرفات غير مسؤولة؟ بالنسبة للكثير من الناس، فإنه من الأسهل الاستسلام والسماح لمشاعرهم بالتحكم في سلوكهم، لكن بغض النظر عن مشاعرنا يمكننا التحكم في تصرفاتنا.

قدرتنا على إدارة سلوكنا بالتحديد هي التي تفتح الباب لحياة مفعمة بثراء المشاعر. المسؤولية السلوكية تمنحك الإمكانية للشعور بعمق. الفكرة هنا هي أنه يمكننا استخدام السلوك بطريقة منطقية لإحداث الحالة المزاجية المرغوبة. 

لا يسمح السلوك البناء فقط بتحسين الحالة المزاجية بل يمكن استخدامه لتوليد أنواع عديدة من المشاعر. مثلا، يمكنك أن تخلق شعورًا بالنشوة من خلال الرقص والجري والرياضة والاستماع إلى أنواع معينة من الموسيقى ومشاهدة الألوان البراقة والتحدث مع صديق حاد الذكاء. يمكنك أيضا توليد حالة ذهنية أكثر هدوءًا وسلامًا من خلال الجلوس بهدوء، وإيقاف تشغيل أي مصدر للأصوات، خفض الأضواء، والتأمل مع شرب كوب من الشاي بالنعناع.

5 تعليقات
3

شارك تعليقك

5 تعليقات

عامر الجماعين 13 أغسطس، 2021 - 12:52 ص

مقال جميل جدا ورائع اتمنى وجود ترجمة للكتاب.
المقال عميق ويتطلب مقالات تابعة للتوضيح أكثر.
نفع الله بك وبعلمك

الرد
سعود العمر 17 أغسطس، 2021 - 6:28 ص

فعلا هذه القواعد تحتاج توضيح وإسهاب أكثر. سأحاول أن أكتب تدوينة أخرى تفصل أكثر عن طريق طرح أمثلة. شكرا للطف كلماتك.

الرد
ALBNDRI 14 أغسطس، 2021 - 11:30 م

مقاله جميله نافعه ومفيدة >> شكرا لك أستاذ سعود
التعامل مع الأفكار والمشاعر هي أساس العلاج المعرفي السلوكي والتي تكسب العميل مهارات التعامل مع الأفكار الملحة والمشاعر الضاغطة و ما يعتري الإنسان من اضطرابات نفسية ومن بعد هذا الاتجاه ظهرت موجة من خلال التيقظ الذهني mindfulness ,وممارسة الوعي بالأحاسيس الجسدية والفكرية من خلال التعامل مع الخبرات الحياتية عامة والضاغطة منها خاصة ، ونوع آخر من العلاج (ACT) يعتمد على التقبل ومن ثم التقبل العقلي .

الرد
سعود العمر 17 أغسطس، 2021 - 6:31 ص

شكرا للطفك دكتورة. نعم كما ذكرتي، طريقة ( الحياة البناءة ) تتقاطع كثيرا مع طريقة ACT وكلها تستمد جذورها من تراث الشرق الأقصى. شكرا لتعقيبك وإثرائك التدوينة.

الرد
عبدالله 18 سبتمبر، 2021 - 1:16 م

مقال جميل وسلسل وممتع
شكرا استاذ سعود

الرد