عن الندم وعن رواية “مكتبة منتصف الليل” (دون حرق)

بواسطة سعود العمر

“في ألمك سوف تجد قيمك، وفي قيمك سوف تجد ألمك.”

عالم النفس الأمريكي ستيفن هايز 

عن الندم 

الإنسان العملي مثير للملل. فهو دائما ما يثرثر عن إنجازاته، ويحاول بطرق مباشرة وغير مباشرة أن يبرز مميزاته وفضائله.  حدود وعيه وطموحاته تبدأ وتنتهي حول سياج عمله وطموحاته المهنية والاقتصادية. علاقاته مبنية على منافع تبادلية، تحركاته استراتيجية ذات نظرة محدودة قصيرة المدى، قيمه في الحياة نفعية مسطحة تخلو من أي عمق أو أبعاد فنية أو روحية. ببساطة، حياته عبارة عن ( سي ڤي ) متحرك، الهدف الوحيد منه محاولة إبهار الآخرين.

أعمق حالات الإنسان تتجلى من خلال ( الندم ). إذا أردت أن تفهم الأنسان على حقيقته العارية فسئله على ماذا يعض أصابع الندم؟ على ماذا يتحسر؟ هنا تنكشف قيمه وأبعاده وعمق شخصيته.  الإنسان العملي لا يستطيع أن يكتب في سيرته الذاتية على أي شيء هو نادم، لأنه مهووس بإنجازاته السطحية وتفكيره الإيجابي والتركيز على نقاط قوته. 

الندم يعني تضارب قيم، وتضارب القيم يعني أنك تنمو وقيمك تتطور، وتطور قيمك يعني أن الجديدة ستتعارض مع القديمة. اذا لم يشعر الشخص بالندم فهذا دلالة أنه لا ينمو، ولا يتعرض لتجارب تصقله، ولا يحاول أن يتعلم سوى ما يوافق ويؤكد ما يعرفه مسبقا.

في مره قرأت قصة قصيرة عن رجل خمسيني يحكي حكاية حدثت له في عشريناته. يقول أنه التقى فتاة لا يعرفها عند بوابة مدينة ألعاب ملاهي. يقول بمجرد ان التقت نظراتنا تلاقت أرواحنا في عالم أخر فوق مستوى إدراكنا. بدأنا فجأة نسير ونضحك سوية، تجولنا طوال اليوم في مدينة الألعاب وتناولنا البوظة وتحدثنا عن كل شيء، في أثناء ذلك ومن دون وعي مني تسللت يدي ومسكت يدها. يقول الروائي الفرنسي ( ستندال ) “ أن أعظم لذة يمكن أن يقدمها الحب هي أول شعور بالإحساس بالضغط بين يديك ويدي من تحب.” في نهاية اليوم الساحر، توجهنا لبوابة مدينة الألعاب ولم نكن ندرك حينها أننا كنا نقترب من مفترق طرق. توقفنا عند البوابة، وودعنا بعضنا، ولم أحصل على أي وسيلة تواصل بها، ولم أرها منذ ذلك الحين. كان نهارا جميلا، ربما كان أسعد نهار في حياتي، كان نهارا من الأبدية، ولكني نادم لأني لم أطلب أي وسيلة اتصال بتلك الفتاة. 

من الظاهر هذه قصة حب شجية، لكن من الباطن هي قصة حياة كل إنسان. كل إنسان فتح له باب لم يدخله. كل إنسان وقف أمام مفترق طرق واختار التفرع الخطأ. يقال أن الجحيم الحقيقي هو الندم الذي يتجلى في نهاية حياة الإنسان عندما تلتقي نسخته التي صار إليها بنسخته التي كان ممكن أن يكونها لو اتخذ القرارات الصحيحة. لكن ما لا يعرفه الكثير أن بوابة الفردوس موجوده في وسط الجحيم. لابد أن ترد جحيم الندم، وتفتح الباب الذي في وسطه، ومن ثم تمضي لفردوس التحرر منه. 

أنا لا أحاول أن أمجّد الندم. أنا فقط أحاول أن أوضح أنه شيء حتمي كنتيجة لنمو الإنسان. لكن الإنسان العملي السطحي هو حالة من اثنتين: الحالة الأولى هي أن نموه محدود بنمو صوتي فقط. مثلا كان ( مراسلا ) ثم صار ( مديرا )، بالتالي نموه انحصر فقط في استبدال كلمتين مرتبطة بوجاهه اجتماعية ضحلة، لكن في الحقيقة لم يحدث أي تغير جوهري ( لا أحد يشك في حقيقة أنه في أي جهة عمل المراسل يعمل أكثر من المدير  ) لذلك ليس لديه ما يندم عليه. الحالة الثانية، أنه حدث له نمو حقيقي، مثل الزواج والإنجاب الذي يعد تغير جوهري يؤدي إلى تضارب في القيم، وبالتالي سيندم على شيء ما، لكنه بمجرد أن يشعر بأول وخزة ندم يسارع ليغطيه بالانشغال بأعمال وإنجازات واهية. 

على العكس من ذلك الإنسان الحقيقي الذي ينظر إلى أعماق نفسه، الإيجابية والسلبية، يكاشفها، يشعر بها حتى لو كانت مؤلمه، يتعلم منها، ويوقن أن لكل شعور سلبي قيمته وفائدته. يندم. بل يعض أصابع الندم. لكن بعد ذلك يتعلم من ندمه. يصبح أكثر تعاطفا مع أخطائه وأخطاء الأخرين ويدرك أنهم في مرحلة نمو وتعلم. يصبح أكثر إنسانية. بعد ذلك يتحرر من ندمه. يقول الشاعر الألماني ( تشارلز بوكوفسكي ) مجسدا المشاعر المؤلمة في أعماقنا بكلمة ( شيطان ) لأنها تبدو في نظر الإنسان العملي شيطانا،  “لا تتقاتل مع شياطينك. شياطينك هنا لتعلمك درسا. اجلس مع شياطينك وتناول مشروبًا ودردش وتعرف على أسمائهم وتحدث عن الحروق على أصابعهم والخدوش على كاحليهم. ستجد أن بعضهم لطيفا جدا.”

عن رواية مكتبة منتصف الليل ( دون حرق )

“هناك حسرات تكون في محلها أحيانا، وفي غير محلها أحيانا أخرى.”

رواية مكتبة منتصف الليل

عن الندم هذه الرواية. تبدأ مع الطفلة ( نورا ) وهي تلعب الشطرنج مع أمينة مكتبة مدرستها السيدة ( إلم ). تتحسر الشابة الصغيرة أنها لم تستمر في التمارين وتصبح سباحة كما أراد والدها. تكبر نورا ويكبر معها وتتعدد أسباب تحسرها وندمها. بالنسبة لها “كل تحركاتها كانت خاطئة، كل قرارتها كانت كارثية، كل يوم كانت تتراجع وتساوم على أحلامها.”  

تتخصص في الفلسفة، وتركّز على الفلسفة الوجودية. بالنسبة لها صارت الحياة مثل لوح الشطرنج الذي كانت تلعب عليه وهي صغيرة، تقول نورا: “في مباراة شطرنج واحدة هناك احتمالات أكثر من عدد الذرات في الكون المرئي. لهذا اللعبة تصبح فوضوية ولا توجد طريقة صحيحة للعب. في الشطرنج، كما في الحياة، الاحتمالات هي أساس كل شيء. كل أمل، كل حلم، كل ندم، كل لحظة نعيشها.”

“هل تسأل نفسك أحيانا كيف انتهي بك الحال بما أنت عليه الأن؟ كأنك ضائع في متاهة ولا تستطيع لوم أحدا سواك لأنك أتخذت كل قرار عند كل منعطف. أنت متأكد من وجود العديد من الطرق التي كانت ستساعدك على الخروج، لأنك تستطيع سماع أصوات من خرجوا من هذه المتاهة وهو يضحكون ويبتسمون. أحيانا تتمكن من رؤيتهم عبر الأسوار كطيف عابر بين الأوراق. تبدو عليهم السعادة لانهم استطاعوا الخروج. لا تشعر بالغضب تجاههم، بل تجاه ذاتك لعدم قدرتك على مجاراتهم”

رواية مكتبة منتصف الليل

يتفاقم ندم ( نورا ) إلى درجة تقرر أن تودّع هذا العالم. بعد أن انطفئ وعيها تجد نفسها في مكان برزخي غريب. مكان عبارة عن مكتبة ضخمه مليئة بالكتب. يوجد داخل المكتبة أمينة تشبه أمينة مكتبة مدرستها السيدة ( ألم ) واسم المكتبة ( مكتبة منتصف الليل ). شرحت لها أمينة المكتبة: “هذه الكتب تأخذك لكل الحيوات التي يمكنك عيشها. لديك حيوات عديدة. بإمكانك اتخاذ قرارات مختلفة فيها. وهذه القرارات ستؤدي إلى نتائج مختلفة. إن قررت قرارا مختلفا واحدا، ستحصلين على قصة حياة جديدة.”  

في مكتبة منتصف الليل كل كتاب يمثل نسخة مختلفة من حياة نورا. بإمكانها الأن أن تجرب حيوات جديد، بإمكانها أن تتراجع عن قراراتها السابقة، وبإمكانها أن تتخذ القرارات التي لم تتخذها، وبإمكانها تصحيح أخطائها. المسارات لانهائية والسؤال الذي يتوجب عليها الإجابة عليه: ما هي أفضل طريقة للحياة؟

ومن هنا تبدأ الرواية ..

..  تمنياتي لكم بقراءة ممتعة. 

شارك تعليقك